حذّرت هيئة تحرير موقع «المنصة» من تصاعد الضغوط التي تواجه الصحافة المستقلة في مصر، معتبرة أن الإجراءات التي استهدفت موقعي «متصدقش» و«مدى مصر» تكشف عن تهديد متزايد لحرية الصحافة والتعبير وسيادة القانون. وأكدت هيئة التحرير أن الدفاع عن الإعلام المستقل لم يعد شأنًا يخص المؤسسات الصحفية وحدها، بل أصبح ضرورة لحماية حق المجتمع في المعرفة ومساءلة السلطة.


وفي افتتاحية نشرها موقع «المنصة»، تناولت هيئة التحرير الإجراءات القضائية والإدارية التي طالت مؤسستين صحفيتين مستقلتين، ورأت أنها تثير تساؤلات خطيرة بشأن احترام الدستور وضمانات المحاكمة العادلة واستقلال العمل الصحفي.

 


إغلاق مدى مصر وملاحقة متصدقش.. تصاعد الضغوط على الصحافة المستقلة


قالت هيئة تحرير «المنصة» إن الذراع الأولى لهذا الشبح امتدت إلى غرفة أخبار موقع «متصدقش»، وألقت بجميع أفراد فريقه خلف القضبان، بينما وصلت الذراع الثانية إلى موقع «مدى مصر»، حيث صدر حكم قضائي موجز بإغلاق المؤسسة وتغريم رئيسة تحريرها، الزميلة لينا عطا الله، ثلاثة ملايين جنيه مصري، دون الاستماع إلى الدفاع أو الاطلاع على ملف القضية.


وتساءلت الافتتاحية عن عدد الأذرع الأخرى التي لا يزال هذا الشبح يخفيها، وعن عدد غرف الأخبار التي ينبغي أن تصمت حتى تتجنب الانتقام. وأوضحت أن هذه الأسئلة تلاحق العاملين في «المنصة» وهم يفكرون في كيفية التضامن مع زملائهم، ليجدوا أنفسهم لا يقفون إلى جانب غرف أخبار أخرى فحسب، بل يدافعون عن أنفسهم أيضًا في مواجهة قوة لا يرون جسدها، لكنهم يلمسون آثارها على حرية الصحافة والتعبير وسيادة القانون.


وأشارت هيئة التحرير إلى أنها لا تزال تحت وقع ما وصفته بالمهزلة التي شهدها يوم الثلاثاء، معربة عن أملها في أن يتعافى زملاؤها في «مدى مصر» من هذه الضربة، كما تجاوزوا مرارًا المحن التي واجهوها منذ عام 2013، مؤكدة أن شجاعتهم ظلت مصدر إلهام للصحافة المستقلة.


وشددت الافتتاحية على وقوف «المنصة» إلى جانب «مدى مصر» و«متصدقش» دفاعًا عن الدستور المصري، وحمايته من العبث بمضمونه أو إفراغه من معانيه وتجريده من قيمته.

 

 

الدستور وحرية الصحافة في مصر.. الحق في المعرفة وضمانات المحاكمة العادلة


أكدت هيئة التحرير أن الدستور يكفل للمواطنين والمجتمع حق المعرفة وتداول المعلومات ومساءلة السلطة التي تتولى خدمتهم، كما يعتبر الصحافة المستقلة عين المواطن التي يراقب بها أداء هذه السلطة. ومن ثم، لا يجوز لأي جهة أن تمنح أو تحجب، عبر أجهزتها الإدارية، ترخيصًا يتيح للناس الكلام أو المعرفة.


وأوضحت الافتتاحية أن الدستور ينص على إصدار الصحف بمجرد الإخطار، لكن قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018 استحدث تمييزًا لا يستند إلى أساس قانوني بين الصحيفة المطبوعة على الورق وتلك المنشورة عبر الإنترنت.


وأضافت أن الدستور ينص على بطلان القوانين المخالفة لأحكامه، ويضع آليات لإسقاطها، كما يكفل ضمانات المحاكمة العادلة وحق الدفاع، ويلزم المحكمة بإثبات طلبات الدفاع في محضر الجلسة، سواء استجابت لها أم رفضتها.


لكن الحكم الصادر يوم الثلاثاء، بحسب الافتتاحية، تجاهل طلبات الدفاع ولم يثبت أيًا منها، بعدما فرضت المحكمة محاميًا على المتهمين، وتجاوزت طلبهم رد هيئة المحكمة.


وشددت هيئة التحرير على أن الصحافة المستقلة حق أصيل، وليست منحة أو امتيازًا تمنحه السلطة متى شاءت. فغيابها يحرم المواطنين من المعلومات التي تساعدهم على فهم العالم المحيط بهم، ومحاسبة حكومتهم على إخفاقاتها، والاحتفاء بإنجازاتها إن وُجدت.

 


مستقبل الإعلام المستقل في مصر.. المعرفة شرط للاستقرار والمشاركة المجتمعية


ربطت الافتتاحية بين تصاعد الضغوط على الصحافة والسياق السياسي والاقتصادي والاجتماعي المضطرب الذي تعيشه مصر. وأشارت إلى أن السلطات عقدت قبل أسابيع مؤتمرًا بهدف «رفع الروح المعنوية للحكومة»، في وقت يواجه فيه المواطنون تحديات اقتصادية واجتماعية عميقة، بينما تبدو آفاق المستقبل قاتمة.


وتساءلت هيئة التحرير عن المستقبل الذي يمكن للمواطنين أن يحلموا به إذا استمرت المساحات المتاحة للرؤية والنقاش والاختيار في الانكماش، وكيف يمكن مطالبتهم بتحمل تبعات القرارات المصيرية بينما تُحجب عنهم المعلومات التي يحتاجون إليها لفهم تلك القرارات وتقييمها.


وأكدت أن الرغبة في بناء دولة أكثر استقرارًا تفرض ألا تقع مسؤولية الدفاع عن الإعلام المستقل على المؤسسات الصحفية وحدها؛ فالمساحات التي تتيح للصحفيين العمل بحرية، وللجمهور الوصول إلى المعلومات، تشكل جزءًا أساسيًا من المجال العام الذي لا يمكن الاستغناء عنه إذا كانت مصر تسعى إلى الاستقرار.


واختتمت هيئة تحرير «المنصة» رسالتها إلى كل من تواصلوا للاطمئنان عليها بالتأكيد على مواصلة العمل، لأن الحوار يجب أن يستمر. وقالت إنها تراقب وتنشر وتسهم في تمكين الناس من الوصول إلى المعلومات، انطلاقًا من إيمانها بأن آفاق المستقبل أوسع مما تبدو عليه، وأن الإعلام المستقل نفسه شبح يخيف من يحركون أذرع السلطة، بينما يختبئون في غرفهم المظلمة.

 

https://almanassa.com/en/stories/34693